جيرار جهامي ، سميح دغيم

970

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

ذلك الحدس الفني ، والذي يطلق عليه عادة اسم « الإلهام » ، وأهمّ ما يميّزه هو الظهور المفاجئ والمباشر لفكرة العمل الفني أو لموضوعه في ذهن الفنّان . هذه المعاني كلها تشترك في ثلاثة عناصر رئيسية يتميّز بها الحدس ، من حيث هو طريقة في معرفة الأشياء ، عن غيره من طرق المعرفة . أ - فهو معرفة « مباشرة » ، لا تحتاج إلى وسائط ولا تسير بالتدريج من خطوة إلى أخرى . ب - وهو ينقلنا مباشرة إلى « لبّ » الموضوع الذي نريد أن نعرفه أو إلى جوهره الباطن ، بدلا من أن يكتفي بتقديم أوصاف خارجية أو سطحية لهذا الموضوع ، أو يقتصر على معرفته من خلال مقارنته بغيره . ج - وهو في جوهره معرفة « فردية » ، أي إنه يتاح لشخص بعينه ، لا لأي شخص آخر . وهو يتطلّب « تجربة » من نوع خاص ، يصعب نقلها عن طريق الوصف إلى الآخرين ( حتى في حالة الإدراك الحسّي يستحيل نقل ما تراه العين إلى غير المبصر نقلا أمينا وكافيا ) ، ويصعب تلقينها أو تعليمها لهم ، ويستحيل أن « نعمّمها » على الجميع . ( فؤاد زكريا ، التفكير العلمي ، 93 ، 12 ) . - إن الحدس - الاتّصال الروحاني المباشر - وسيلة إدراك الحقيقة المطلقة التي تعلن عن نفسها في الطبيعة وكائناتها ، كل حالة من حالات الإدراك الحدسي قائمة بذاتها ، تستمدّ صوابها من نفسها ، لا تعتمد على مقدّمات تسبقها أو نتائج تلزم عنها ، الإدراك الحدسي صوابه يقيني حتى إذا ناقض ما سبقه وما تلاه . ( زكي نجيب محمود ، العالم الجديد ، 69 ، 7 ) . - إن « الحدس » حالة طبيعية من حالات الوعي ، وطاقة من طاقاته ، لا ينفكّ يستعين بها في ممارساته الإبداعية ، أي في إنتاج الأدب والفن ، بل في إنتاج الأشكال الأخرى من المعرفة كذلك ، مهما بلغ الوعي من مستويات التطوّر العالية في مختلف العصور ومختلف المجتمعات . لكن هذه الطاقة الإبداعية خاضعة للتطوّر باطّراد تبعا لاطّراد حركة التطوّر البشري التاريخية . بمعنى أن « الحدس » نوع من الاستكشاف والرؤية ، رغم كونه يتّخذ شكل « الرؤيا » اللاواعية . فهو يتطوّر استكشافا ورؤية بقدر ما يتطوّر الوعي معرفة وتجربة ، أي بقدر ما يكتسب العقل الواعي من معارف وتجارب في سياق التطوّر المادي والروحي للمجتمع . ( حسين مروّه ، النزعات المادية 2 ، 287 ، 6 ) . * تعليق * في الفلسفة - يتمّ استقبال معطيات العالم الخارجي عند وعيها بمعرفة متدرّجة حسّا وعقلا ، ومعرفة مباشرة حدسا دونما حاجة فيها إلى برهان أو استدلال منطقي معلّل . لكن هذا النمط من المعرفة الذي اعتمده بعض الفلاسفة والمتصوّفين الإشراقيين يبقى ظنيّا تخمينيّا ، حيث يتمثّل المطلوب في النفس دفعة ويجري التأكّد منه بداهة أو براءة E ? vidence ou ide ? e ) ( inne ? e . يحدث أن يختلط الحدس بالعرفان ، فتنزع النفس الأمور الحقّة من ظواهرها لتغوص في